الرجل ذو القضبان الخمسة – پول دوركان

الرجل ذو القضبان الخمسة* – پول دوركان

0009a10e-622

كان أبي رجلا بخمسةِ قضبانٍ.

لمحتُه في المغطسِ ذاتَ صباح،

صباح أحدٍ بعد صلاة الذكرى والقربان المقدس

(عادةً ما يلعب الغولفَ بعد صلاة الذكرى والقربان المقدس

ولكن لعله بسبب ظروف الطقس

إذ طُمرت الأقبيةُ الرمليةُ وغُمرت المروجُ

لم يكن في صباح الأحد المعنيّ غولف).

دلفت إلى الحمام ظانّا أنه خالٍ:

وهناك رأيتُه، راكدًا مثل تمساح،

متّحدًا بالماء الذي بدا في غاية الرّيبة.

حدّق فيّ بعينيه البرمائيتين،

فتراجعتُ، مثلما في مجلةِ أدغالٍ كوميدية.

هدر عابسا: «إنني أستحمّ.»

أستطيع أن أقسم لكم أني رأيتُ، مثلما أقول،

أربعةَ قضبانٍ أو خمسةً على الأقلّ تطفو،

ربما ستة أو سبعة.

ظللت أشعر بالأسف من أجله وقتا طويلا بعد ذلك،

قلقٌ بقدر ما كان أسَفا:

لا بدّ أن أمام يديه مهمةً باليةً تنتظره كل صباح

وهو يحشر تلك الكتلةَ في سروالِه.

وتخيلوا ما سيشعرُ به فعلا

حين يضطرّ إلى استخدام المراحيض العامة،

وهو يحاول ضبطَ أعصابه خشيةَ

أن تندلق تلك الكتلة برمّتها-

ماذا سيقول له الرجالُ في الحمّامات المجاورة؟

لكني أيضا بدأتُ أقلقُ بشأن نفسي:

ربما كنت أنا صاحبَ عوزٍ كبيرٍ، أنا بعضوي الوحيد.

طوال السنوات التالية راقبتُ بتلهفٍ

بحثا عن أماراتٍ لأعضاء جديدة

لكن العضوية بقيت ثابتةً على واحدٍ.

وبما أني أعرف النتيجة الآن

أو على الأقل بما أني أظنّ أني أعرف النتيجة

أميل إلى الاعتقاد أن قضيبًا واحدًا أكثرُ مِن كافٍ.

على رغم أني سأثمّن أبدا

صورةَ أبي باعتباره رجلًا ذا خمسةِ قضبانٍ،

فسّرتُها في البداية على أنها مشهدٌ شريرٌ

وبصراحة، كمْ من الارتياح يجلبه اكتشافُ

أن ثمةَ قضيبًا واحدًا في الواقع!

لا مراءَ في أن قضيبًا واحدًا أكثرُ من كافٍ.

 


*من ديوان «مقهى جدار برلين» الصادر عام ١٩٨٥.

من سرق الديناميت؟ مقطع

تقدّم سلمان صديقيه إلى منزله في دحلةٍ ضيقة قبل حارة البراكيت. حين بلغوا المنزل أدخلهما إلى المجلس، وهو المكان الذي يستخدمه غرفة شخصية حين لا يكون هناك ضيوف، ينام فيه على بطانية يفرشها كل ليلة على الأرض ويضع فيه كتبه وألعابه. بالطبع لم يكن في البيت أحد هذه الليلة، وحالما تدخله تشعر بأنه مهجور. أرضية عارية في أجزاء منها، وأدراج خالية، وفراغات مصفرّة في أماكن اللوحات والمرايا المنزوعة. لما خلع الثلاثة أحذيتهم لدى الباب الرئيسي أرى سلمان ضيفيه بابَ المجلس ثم قال وهو يشعل مصباح النيون المزدوج: «استروا ما تواجهون،» وراغ إلى الحمّام يضيء مصباحه كأنما يفعل شيئا من دون تفكير. حين دخل الغرفة من جديد كان أحدهما، منصور، قد نزع شماغه وفكّ أزرار ثوبه العلوية أما الآخر، أكرم، فبقي في ملابسه الداخلية بعد أن خلع ثوبه بالكامل وعلّقه في معلاق معدني على قضيب الستارة. كان هناك قطيعٌ من المعاليق بعدد الثياب التي يجلبها سلمان كل يومين من المكوجي بعد انتقال أهله إلى مخطط الزايدي. لعل الاثنين أرادا من نزع ملابسهما أن يُشعرا مضيفهما بالارتياح ويخففان من ثقل الضيافة عليه، فهما يزوران البيت لأول مرة. ويا لها مفارقة، فالبيت لم يعد ملكا لسلمان وعائلته منذ أن وُضع في حكم العقارات المنزوعة لصالح مشروع طريق الملك عبد العزيز الموازي. مسألة وقتٍ وتستلمه هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة. قد تكون هذه آخر ليلة يكون في البيت أناس. أخرج سلمان، مدفوعا بدافع التسلية، جهاز البلاي ستيشن من وراء التلفزيون ثم وضع على الأرض ورمى فوقه يدي التحكّم. قال مبررا نفسه: «التلفزيون ما يشتغل. فصلنا سلك الدش.» كان في الجدار ثقب صغير كأنه محفور للتوّ، إذ ما يزال مسحوقُ غبار الإسمنت ظاهرا على فوهته.

بدتْ للمجلس من شدة بياض طلاء جدرانه زُرقة. ضاعف البياضَ مصباحُ النيون المزدوج الذي لا يُرى خلف ضوئه القوي المبهر. كان المصباح كأنما يقتل نفسه احتجاجا. الغرفة مؤثثة بجلسةٍ عربية أرضية، أثاث مثالي للغرف المكيّة الصغيرة، فهي اقتصادية ومتحركة وخفيفة وسهلة النقل، بلا أرجل ولا أعمدة فقرية خشبية، ولا أي شيء من هذا. مجرد مقاعد أرضية ومساند للظهر وعدد قليل من الوسائد والمُتكآت المترهلة بعض الشيء. كلها منجّدة من قماش الستارة الخارجي نفسه. التنجيد قديم غير أنه نظيف، ويبدو أنه غُسل منذ وقت قريب. على أحد حوائط الغرفة عُلقت لوحةٌ بخلفيةٍ من قماش أسود فوقه آية الكرسي مكتوبة بخط ذهبي مقصب. يرجَّح أن منفّذها أراد في ذهنه أن تكون قطعة مقلّدة من ستار الكعبة. قماشها مترهل قليلا لولا أن الجميع يحفظون الآية لاستعسر عليهم تتبّع كلماتها المنقوشة فوقه بسبب تهدّله. في الحائط المقابل للّوحة دولابٌ خشبي ضيق وطويل محافظ على هيئته على رغم أنه قديم. على رفّه العلوي مغطى بالزجاج، وهو الرف الوحيد المغطى بالزجاج بينما باقي الرفوف يغطيها خشب مصمت، بضعة كتب منزوعة الأغلفة وسيديهات وجرائد قديمة وكتيّب أدعية وأذكار متيبّس الأوراق. لما فتح سلمان دفّتَي الرف ليأخذ قرص البلاي ستيشن سقط كتيّب الأذكار فأعاده إلى مكانه.

استمر في القراءة

أناركية كاملة: مقدمة رواية روبرتو بولانيو «أنتويرب» وفقرات منها

كتب روبرتو بولانيو رواية «أنتويرب» وهو في السابعة والعشرين من عمره، غير أنها لم تُنشر إلا قُبيل وفاته. أدناه ترجمتي لمقدمٍة كتبها بولانيو للرواية بعد صدورها، بمعيّة تسعِ فقراتٍ متفرقة انتقيتُها من الرواية وأطمح أن تعطي فكرةً كافيةً، ولكن محرّضةً، عن باقي العمل. ترجمت المقدمةَ والفقراتِ عن الترجمة الإنجليزية التي قامت بها نَتاشا وِمَر في ٢٠١٠م. وُصفت الرواية القصيرة بأنها «الانفجار الكبير لعالم بولانيو الروائي» كما قال عنها بولانيو نفسه «إنها الرواية الوحيدة التي لا تُشعرني بالحرج.»

 

أناركية كاملة: بعد اثنتي عشرة سنة

كتبتُ هذا الكتاب لنفسي، وحتى هذا الأمر لستُ متأكدا منه. ظلّ الكتابُ وقتا طويلا مجردَ صفحاتٍ متناثرةٍ أعيدُ قراءتها مرارا وربما عبثتُ بها، مقتنعا بأنه لم يكن لديّ وقتٌ. لكنْ وقت لأيّ شيء بالتحديد؟ لم أكن أعرف. كتبت هذا الكتاب للأشباح، إذ هي الكائناتُ الوحيدة التي تملك الوقتَ نتيجةَ أنها موجودةٌ خارجه. وبعد القراءة الأخيرة (للتوّ) أدرك الآن أن الوقتَ لم يكن الشيءَ الوحيدَ الذي يهمّ، لم يكن الوقتُ المصدرَ الوحيدَ للرعب. المتعةُ قد تكون مرعبةً أيضا، وكذلك الحال بالنسبة للشجاعة. في تلك الأيام، إن لم تخنِ الذاكرة، عشتُ مكشوفا في العراء، من دون أوراقي، الكيفيةَ التي يعيش بها الآخرونَ في القِلاع. بالطبع لم أقدّم هذه الروايةَ قطّ لأيّ دار نشر. كانوا سيصكّون البابَ في وجهي وكنت سأُضيع النسخة. بل إنني لم أُعِدّ ما يُطلق عليه اصطلاحا نسخةً نظيفةً. احتوت المسوّدةُ الأصليةُ على صفحاتٍ أكثر: كانت لدى النص نزعةٌ إلى أن يضاعف نفسه، منتشرا مثل مرض. مرضي آنذاك كان الكبرياءُ والغضبُ والعنف. تلك الأشياء (الغضب، العنف) مستنزِفةٌ ولذا قضيتُ أيامي متعَبا تعبًا لا طائل تحته. كنت أعمل ليلا. وفي أثناء النهار أكتب وأقرأ. لم أكن أنام أبدا. أشرب القهوة وأدخن كيما أظل مستيقظا. وبطبيعة الحال التقيتُ أناسًا مثيرين للاهتمام، كان بعضهم من نِتاج هلاوسي. أظن أنها كانت آخر سنواتي في برشلونة. كان الازدراءُ الذي كنت أحمله تجاه ما يسمى الأدب الرسمي عظيمًا، على رغم أنه لم يتجاوز ازدرائي أدبَ الهامشِ سوى بقليل. لكني آمنتُ بالأدب: أو بالأحرى، لم أؤمن بالوصولية ِأو الانتهازيةِ أو همسِ المتملّقين. لقد آمنتُ بالإيماءاتِ المختالةِ التافهةِ، آمنتُ بالقَدَر.

استمر في القراءة

المشاة باعتبارهم مستهلِكين

يعتبر المشاةُ أهمَّ عنصرٍ فاعل في شبكة المواصلات. ولعل سلوكَهم فيها مؤشرٌ على مستوى فاعليّة مرافق المشاة. الدافعَ الرئيسَ للمشاة في التنقّل هو أن ينخرطوا في رحلاتٍ نفعيةٍ (وهي العمل والدراسة والتسوق) أو اختياريةٍ (وهي الاستجمام) الأمر الذي يجعل الحركة طلبا مستمَدا. إن وضعَ احتياجات ِالمشاةِ في عين الاعتبار لمتطلٌب مهمٌّ في تصميم الأحيازالمستدامة. يمكن أن يُعتبر المشاةُ، كونهم مستخدمين لمرافق المواصلات، يمكن أن يُعتبروا مستهلكين يتطلبون حيّزا يمارسون فيه أنشطتهم. والافتراضُ الأساسيُّ لمفهوم «الاحتياج» الذي استُعين به من مجال سلوك المستهلك هو أن المشاةَ يتصرفون بطريقة مشابهة للمستهلكين، إذ هم يستخدمون الحيّز بطريقة تقارَن باستهلاكِ منتَجٍ. 

آيدرلينا ماتيو-بابيانو وهيتوشي آيدا

حكايات كئيبة- نورمن لوك (جزء من نوڤيلا)

«إنّ مجرد تقويسِ سطحِ مرآةٍ لمن شأنه أن يقذف رجلا إلى عالم متخيّل.» –أومبرتو إيكو

 

 

عندما يستيقظ كلّ صباحٍ يجد أن أوراقه قد عُبث بها أثناء الليل. تُرتَّب شؤونه –مهما حاول مقاومة هذا الأمر، «تصفية الحسابات» هذه. مهما حرق، يائسًا ذاتَ ليلة، الأوراقَ، بما في ذلك وصيّته الأخيرة وشهادته، اللتان تكتبهما الآن يدٌ لم يستطع تمييزَها، تاركةً كل شيء لزوجته التي انفصل عنها، امرأة يحتقرها. ليلة البارحة، بعد استقالته، تناول جرعةً مفرطةً من أقراص النوم كانت كافيةً لإيقاف قلبه.

*  

كبرت الحصواتُ فاستحالت حجارةً، والحجارة صخورًا ضخمة. رَبَتِ الصخور عاليا حتى صارت جبالًا ألقتْ ظلالَها على اليابسة –ظلالَها الباردة. هبط الظلامُ على الحقول وعلى المدينة وعلى امرأةٍ تعلّق المفارشَ على حبل الغسيل، فمُها مملوءٌ بمشابكِ الملابسِ ونهداها نافران يرفعان بلوزتَها. حين نظر زوجُها من النافذة ورآها ارتفعت الرغبةُ في داخله. وعندما دخلت المنزلَ طرحها على السرير غير المرتّب وغطى بجسده جسدَها في الوقت الذي انفكّت فيه الجلاميدُ الأولى عن الجبالِ وبدأت الانهيارات.

*

السحابة التي بدتْ، مثلما قالوا، مشؤومة، عتمة كدرة تتخللها عروقٌ نارية دقيقة، تهادت فوق المدينة واستقرت بعد حينٍ على قِسمٍ منها «مثل يدٍ مكفوءة». لم يكن في استطاعة أي ضوءٍ أن يخترقها: لا ضوء مصابيح الشارع ولا ذاك المنبعث من نوافذ المنازل. أولئك الذين مشوا داخل العتمة تعجّبوا منها، كيف لها أن تتشبث بهم، بملابسهم وبأيديهم. عندما انقشعت اليومَ التالي بدا القِسمُ الذي استقرت السحابةُ عليه من المدينة كما لو كان ممسوحًا.

*

لأنه مات في ظروفٍ غامضةٍ، أُجري تشريحٌ لجثته. انتزع الطبيبُ الشرعيُّ رصاصةً من البُطين الأيمن للقلب، مع أنه لم يكن لجرحِ دخولِ الرصاصة أو خروجها وجودٌ. كانت الرصاصةُ من نوعٍ استخدمه القناصةُ في الحرب العالمية، التي فُقد خلالها والدُ الرجل وافتُرضت وفاته. لم يعرف الرجلُ قط والدَه الذي كرهتْه أمُّ الرجل بشغفٍ يضاهي حبَّها لابنها. كان الجرحُ، حسب ملاحظة الطبيب الشرعي، مُتقَنا، كما لو أن الرصاصة «قد أُدخلت إلى القلب بوسيلةٍ غير السلاح.»

استمر في القراءة

الهِرّة وعوز الحشمة – جاك دريدا

 

أجدُ مشكلةً في قمع ارتدادٍ تُمليه عليَّ البذاءة. مشكلةً في التكتّم على احتجاجٍ ضدّ اللا احتشام. ضدّ الفضيحةِ التي تأتي من أن يجد المرءُ نفسَه عاريا، مكشوفَ الجنس، تامَّ العريِ أمام هِرَّةٍ تنظر إليك من دون أن تتحرك، من أجل أن تراك فحسب. إن عوزَ الحشمةِ عند حيوانٍ معيّنٍ عارٍ أمام الحيوان الآخر، قد يعدّه المرءُ من تلك النقطة فصاعدا ضربًا من عوزِ الحشمةِ الحيواني: التجربة الفذة الأصلية التي لا تضاهى لعوز الحشمة الناتج عن الظهور عاريا في الحقيقة، أمام النظرة الملحّة للحيوان، نظرة خيّرة أو قاسية، متفاجئةً أم مُدركة. نظرة عرافٍ أو مستشرفٍ أو أعمى نافذِ البصيرة. يبدو الأمر كما لو كنت أشعر بالخجل، عارياً أمام هذه الهِرّة، ولكني أيضاً أشعر بالخجل من الشعور بالخجل. خزيٌ منعكس، مرآة لخزْيٍ يشعر بالخزيِ من نفسه، خزي برّاق وجائر ولا يمكن التسليم به في الوقت نفسه.

 

 


من مقال The Animal Therefore I am.

 

 

الاستمناء والفصاحة – جورج ستاينر

 

 

تُرافق التفاعلاتُ فيما بين الجنسيّ واللغويّ حيواتِنا على الدوام. لكن، مرة أخرى، يظلُّ كثيرٌ من هذه النقطة المركزية بعيدا عن استكشافنا. إنْ كان النظرُ إلى الجِماعِ باعتباره حوارًا أمرًا ممكنًا فإن الاستمناء يبدو مرتبطًا بنزعةِ المونولوج (الحوارِ الذاتي) أو الخطاب الموجّه إلى الداخل. هناك ما يدلُّ على أن الدفقةَ الجنسيةَ عند استمناءِ الذَّكرِ أعظم مما تكون عليه في الجِماع. وأحسبُ أن العاملَ الحاسمَ يكمن في فصاحةِ التعبير، في القدرة على التصوّر بوضوح خاص. إذ يتدفق عند الفردِ عالي الفصاحةِ تيارُ الطاقة اللفظية-النفسية في اتجاه الداخل. لطالما عُرفت العلاقات المتعددة المعقدة بين عيوب النطق من جهة وعيوب الآليات العصبية والغدّية المتحكمة في الوظائف الجنسية والإفرازية من جهة أخرى، على الأقل على مستوى المعرفة الشعبية وتلك المتعلقة بالفضلات. إن قذف المنيّ مفهومٌ فسيولوجيٌّ ولغويٌّ في الآن ذاته. وما العُنّة وصعوبة الكلام، والقذف المبكر والتأتأة، والقذف اللا إرادي وجريان الكلمات في الأحلام، إلا ظواهر تشير علاقاتُها المتبادلة إلى النقطة المركزيّة لإنسانيتنا. المنيُّ والفضلاتُ والكلماتُ منتَجاتٌ تواصلية. إنها أشياء تُرسلها النفسُ من داخل جِلد الفردِ إلى الواقع خارجَه. وفي العمق تتشابك دلالتُها الرمزية وطقوسُها وتابوهاتُها والخيالاتُ التي تثيرها وضوابطُ استخدامِها الاجتماعيةُ، تتشابك فيما بينها تشابكا لا ينفكّ. نعرف هذا كلَّه، لكننا دائما ما نعجز عن إدراكِ دلالاته.

 


من كتاب After Babel

دراما الاستقامة: سلائلُ كرداشيان في مجتمع الفُرجة الخليجي

تتناوب على بطولةِ رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع (٢٠٠٥م) أربعُ فتيات من طبقةٍ ثريةٍ في المجتمع السعودي يميزّها، من ضمن ما يميّزها، الاستهلاكُ الفاحش للبضائع. في ذلك المجتمع النسائي المترَف تنخرط الفتياتُ في النميمة مستخدماتٍ نظاما لغويا استهلاكيا. من ذلك أن تصف إحداهُن الأخرى بأن لديها «مواهب» تُحسد عليها. تلك المواهب إنما هي مؤخرة بمواصفات معينة ترفع من أسهمِ مَن تمتلكها في محيط علاقات اجتماعية يسوده منطقُ السلعة. مرّ عامان على صدور الرواية قبل أن يظهر أشهرُ برامجِ ما يُعرف اليوم بتلفزيون الواقع على الإطلاق، ألا وهو برنامج Keeping Up with the Kardashiansالذي يصوّر حياةَ عائلةِ كرداشيان. يركّز البرنامج، شأنه شأن سائر تلفزيون الواقع، على توثيق الحياة اليومية وتسجيل النشاط العادي للمشاركين فيه، ومن هنا جاء عنوانه الذي يشير إلى البقاء على تواصل مع مستجداتِ حياة أشخاصه/شخصياته على مدار الساعة. يستثمر تلفزيونُ الواقع فضولَ الناس عن الحياة اليومية للمشاهير من خلال خلقِ مشاهيرَ مستعدين لتصوير جوانب حيواتهم كافّة. وبالطبع، يجيء تصويرُ أولئك المشاهير على أنهم قدوةٌ ونماذجُ تُحتذى بسبب نجاحها، ويُصدَّر أسلوبُ حياتهم باعتباره منتجا استهلاكيا وفُرجة ترفيهية. هكذا يؤدي المتفرجون دورا سلبيا في أغلبه، خيرُ ما يعبّر عنه المصطلحُ الذي يُطلق على التكنيك التوثيقي المستخدم في مثل هذه البرامج، أعني مصطلحَ «ذبابة على الحائط» في إشارة إلى منظور المتفرج الكامن والمنسحب الذي تتخذه كاميرات التصوير، والذي يسمح بدوره لتجربةِ مشاهَدةٍ معينةٍ لدى المشاهد.

37660462

أحدث تلفزيونُ الواقع ثورةً كبيرةً في مجالاتٍ شتى وثيقةِ الصلةِ بالشهرة، من مثل النجومية والدعاية والتواصل. وتوالدت بفضله أشكالٌ عديدةٌ من الشهرة دعتْ إلى ظهورِ ما يطلق عليه اصطلاحا «ثقافة المشاهير» واستلزمتْ مجموعَ الدراساتِ التي تُعنى بتحليل الشهرة ودراسة أسباب ظهورها واستمرارها باعتبارها نمطا استهلاكيا أفرزه واقعٌ اقتصاديٌ أحكم فيه منطقُ السلعةِ قبضتَه على الحياة الاجتماعية. وفي السنوات القليلة الماضية ظهرت منصاتٌ عديدةٌ ضاعفت من سمات الشهرة الحديثة التي انعدمت في سابقتها، مثل الحميمية واللا رسمية وارتجال المحتوى وتذويب الحدود بين العام والخاص. كل هذه الجوانب أفضتْ إلى خلقِ صورةٍ واقعيةٍ قرّبت الشخصيةَ المشهورةَ من الجمهور، على رغم الاتهامات المبرَّرة بأن تلك السمات مصطنعة ولا تعكس «الواقع» الذي تدّعيه في مسمّاها. كما لم يعدْ من الصعب تحقيقُ الشهرة والجماهيرية، إذ يتسرب إلينا شعورٌ بأن المشهورَ الذي نتفرّج عليه، بحكم انعدام مواهبه التقليدية، واحدٌ منّا وأننا قد نصبح مثلَه في يوم من الأيام.

الشهرة المتحققة من الوسائط الاجتماعية يُطلق عليها الشهرة المصغّرة microcelebrityذلك أن مشاهيرَها محدودو النطاق والتأثير وليسوا نجوما عابرين للحدود إلا فيما ندر. وهم إضافةً إلى محدودية نطاقهم وتأثيرهم ذاتيّو الصنع، في سعيٍ دائمٍ للإعلان عن أنفسهم كما لو كانوا علاماتٍ تجارية. شكلُ الشهرةِ هذا عدّه البعض انحطاطا ثقافيا، إذ ما عادتِ الشهرةُ مقصورةً على الموهبة أو الخبرة أو الإنجاز، بمفاهيمها التقليدية القابلة للتمحيص، وإنما أصبحت ملغزة وغامضة، كما تصف المشاهيرَ الجددَ العبارةُ الشارحة لنفسها: «مشهورون لشهرتهم» وكأن الشهرةَ دائرةٌ ظاهراتيةٌ مغلقة. علاوةً على ذلك اعتمدت الشهرةُ على التزامن اعتمادا رئيسا فضاعفت من فرص حضور المشاهير المباشر على مدار الساعة، ومن فرص وصول الجمهور المستمر إلى المشاهير وأسلوب حياتهم. ونتج أنْ أمست الشهرةُ رهنَ الحضور المستمر بمحتوى ترفيهي يشمل التدوينات المصوّرة ومشاركة الرحلات والطعام والمغامرات اليومية والمكياج والفعاليات إلخ. واستلزمت وجودَ المشاهيرِ الدائمَ في متناول الجماهير عبر قنواتِ تواصل مباشرة معهم، كإشارات الإعجاب والردود والمحادثات والرسائل الخاصة وغيرها.

أتناول في هذه المقالة فئةً محددةً من مشاهير الوسائط الاجتماعية في منطقة الخليج العربي، وأركز تحديدا على النساء منهم، اللاتي حققن شهرتهن في السنوات الأخيرة من خلال برامج على شاكلةِ سناپتشات وانستگرام وغيرهما، إذ برزت مشهوراتٌ من كافة الطبقات الاجتماعية وحّدت الوسيلة اختلافاتِهن فغدون طبقةً واحدةً تعبر عن الاهتمامات نفسها وتنتمي لمجال تأثير واحد. من جهة أخرى، حقق الخطاب النسوي، الذي واكب في بعضه ظاهرةَ مشاهير التواصل الاجتماعي، ما يعتبره المنخرطون في ذلك الخطاب مكتسباتٍٍ لا يُستهان بها، وانتزع حقوقا طالما نادى بها. تشكُّل ظاهرةِ مشاهير الوسائط الاجتماعية تزامن مع بروز خطاب نسوي حيوي ومؤثر. فكانت فرصة مواتية لتقييم الشهرة والكشف عن آلياتها في التعاطي مع القيم السائدة من جهة ومطالبات الخطاب النسوي من جهة أخرى. وعلى رغم أن المقالة هذه لا تُعنى بتقييم الخطاب النسوي، فإنها تستخدمه خلفية يمكن أن تُقاس بالنظر إليها ثقافة المشاهير، خصوصا فيما يتعلق بدور المشهورات في التعاطي مع حقوق المرأة والخطاب المطالِب بها. ولننظر إلى موقف أولاء الشهيرات من سائر تلك المطالبات، مثل قيادة المرأة للسيارة ونزع ولاية الرجل بل حتى نبذ العنف الأسري وباقي المشاكل الاجتماعية.

بتعميمٍ لا يخلو من مجازفة، يمكن في البدء تقسيمُ المقاربات التي قُدّمت لتحليل ثقافة الشهرة من حيث تصورها لدور المشهور وعلاقته بالمجتمع إلى قسمين اثنين. القسم الأول يضمّ المقاربات التي ترى في الشكل الجديد للشهرة فرصة ديمقراطية تقوم على تمثيلٍ أوسع للفئات المجتمعية المهمشة والأضعف في سبيل تحقيق مجتمع قائم على الإدماج أكثر من الإقصاء. أما القسم الثاني فيضمّ المقاربات التي تغلّب قوة المجتمع في إخضاع المشاهير من الأفراد للالتزام بالسائد من القيم والأعراف وتشكك في قدرة المشاهير على تحدي ذلك السائد. هاتان المقاربتان، كما يتضح، تستندان إلى رؤيتين متباينتين حول مجموع العلاقات بين الفرد، أو الذات بالأحرى، من جهة والإيديولوجيا من جهة ثانية. فبينما يعترف حشدٌ من المفكرين بهيمنة الإيديولوجيا على خيارات الفرد، يقرّ آخرون بالمساحة المعتبرة التي تتحرك فيها الذات وتحقق من خلالها استقلاليتها، وإنْ نسبيّا، في مواجهة الهيمنة الإيديولوجية.

استمر في القراءة

الحرملة (رواية): الفصل الثاني

 

 

 

١٣٨٦ هجرية

 

١

الاكتشافات العظيمة تقدحها مناسباتٌ صغيرة، كما يقدح احتكاكٌ بين حجرين صغيرين نارا ترتعش واهنة في البدء، ثم تكبر وتتوالد في الأيدي حتى تملأ المكان ضوءا ودفئا وشبعا.

عندما مررت سالمة بنت حماد يدها من خلف رقبة مستورة سقطت القلادة في صدر الأخيرة. كانت هذه المناسبة التي قُدّر لها أن تقود إلى اكتشاف عظيم، أن تُري مستورة صديقتيها القلادةَ التي بدأت في صنعها منذ بضعة أشهر ولمّا تكملها بعد. لم تكن في واقع الأمر قد ثبتت سوى الخرزة التي ستكون خرزة المنتصف، وعن يمينها وشمالها عقدت عقدتين لتثبيتها في منتصف الخيط. حين سقطت القلادة انزلقت في طلبها يد سالمة، لكن مستورة إذ لامست نحرَها اليدُ المُرسَلة انتفضت وكأنما خضّها صاعقٌ من السماء. نفر وترٌ في شغاف قلبها حتى كاد أن ينقطع. مدت بعضَ جذعِها أماما وعادت ببعضِه إلى الخلف. كانت حركةً سريعةً من النوع الذي يأتي استجابةً لمساسِ سوطِ بردٍ خفيّ. رافقها صوتٌ حلقيٌّ كالفحيحِ وتعبيراتٌ تزاحمت فجأة على وجه البنت. ارتبك الدم في وجهها، فلم تعد تكترث لما يمكن أن يُقرأ في صفحته. لم يبدُ أن سالمةَ شعرت بشيءٍ مختلفٍ عما تشعر به وهي تلامس أي جسمٍ آخر، إلا أن عينيها امتلأتا دهشة واستغرابا مما أصاب صديقتها. أما مستورة فكان شعورها مختلفا عما تشعر به وهي تلامس جذع سَمرة مثلا، أو ظهر نعجة، أو حتى رقبة بَكْرتِها وهي تدلّلها كل مساء. التجربة المألوفة والمتكررة لا تستحق حتى طرفة عين. لكنها لمست التجربة الجديدة والمثيرة في نفسها، وفي ارتعاشة الماء بين الرمش والرمش.

استمر في القراءة

قصتان قصيرتان – پول بولز

پول بولز (١٩١٠-١٩٩٩م) روائي وقاص أمريكي. انتقل إلى طنجة عام ١٩٤٧م واستقر فيها باقي حياته. كتب عددا من الروايات والمجموعات القصصية، كما ترجم إلى الإنگليزية مجموعة من روايات المغاربة مثل محمد شكري ومحمد مرابط. پول بولز أيضا مؤلف موسيقي مرموق، كان المسؤول عن جمع موسيقى شمال إفريقيا لمكتبة الكونگرس.

paulbowles.jpg

الفقيه

عشية يوم من أيام منتصف الصيف دخل كلبٌ قريةً راكضا، فتوقف بما يكفي لأن يعضّ رجلا شابا كان واقفا على الشارع الرئيسي. لم يكن جرحا عميقا، إذ غسله الرجل الشاب من ماء نافورة قريبة ولم يُعره بعد ذلك أدنى اهتمام، إلا أن رجالا عدةً رأوا الكلب وهو يعضّه رووا الحادثة لأخيه الأصغر. قالوا له: عليك أن تأخذ أخاك إلى طبيبٍ في المدينة.

عندما آب الغلامُ إلى البيت وقدّم هذا المقترَحَ ضحك أخوه بكل بساطة. في اليوم التالي قرر الغلام أن يستشير الفقيه. ألفى الرجلَ العجوزَ جالسا في الفيء تحت شجرة التين في باحة المسجد. قبّل يده ثم أبلغه أن كلبا لم يره أحدٌ من قبل قد عضّ أخاه ثم ولى هاربا.

قال الفقيه: يا للسوء. هل عندك إسطبلٌ يمكنك أن تحبسه فيه؟ ضعه هناك، ولكن قيّد يديه خلف ظهره. يجب ألا يقترب منه أحد، هل فهمت؟

شكر الغلامُ الفقيهَ وانطلق قاصدا البيت. في الطريق عقد العزم على أن يلفّ مطرقةً في غزْلٍ وأن يضرب بها أخاه في قفا رأسه. ولعلمه أن أمَّه لن تقبل أبدا برؤية ابنها يُعامل هذه المعاملة قرر أن ينفذ خطته أثناء غيابها عن المنزل.

استمر في القراءة